الراغب الأصفهاني
271
الذريعة إلى مكارم الشريعة
والصدق أجدر أركان بقاء العالم حتى لو توهم مرتفعا لما صح نظامه وبقاؤه ، وهو أصل المحمودات وركن النبوات ، ونتيجة التقوى ، ولولاه لبطلت أحكام الشرائع ولذلك قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ « 1 » والاختصاص بالكذب انسلاخ عن الإنسانية فخصوصية الإنسان النطق ومن عرف بالكذب لم يعتمد نطقه ومن لم يعتمد نطقه لم ينفع ، وإذا لم ينفع نطقه صار هو والبهيمة سواء بل يكون شرا من البهيمة فإن البهيمة وإن لم تنفع بلسانها فإنها لا تضر والكاذب يضر ولا ينفع وقد قال تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ « 2 » . واعلم أن كل كلام خرج على وجه المثل للاعتبار دون الإخبار فليس بكذب في الحقيقة ولهذا لا يتحاشى المتجوزون من التحدث به كقولهم في الحث على مداراة العدو والتلطف في خدمة الملوك أن سبعا وذئبا وثعلبا اجتمعوا ، فقالوا نشترك فيما نتصيد فصادوا عيرا وظبيا وأرنبا فقال السبع للذئب اقسم فقال الذئب هو مقسوم العير لك والظبي لي والأرنب للثعلب ، فوثب السبع فأدماه ثم قال للثعلب اقسم فقال هو مقسوم العير لك لغذائك والظبي لمقيلك والأرنب لعشائك فقال السبع من علمك هذه القسمة المليحة فقال علمني الثوب الأرجواني الذي على الذئب ، وعلى المثل حمل قوم قوله تعالى : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ « 3 » الآية وقوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ « 4 » الآية ، فقالوا يصح هذا لما كان مثلا وإن لم تجر العادة بوجود الحبة هكذا .
--> - الأثير / جامع الأصول / 2 / 3 حديث 469 . ( 1 ) التوبة / 119 . ( 2 ) الفرقان / 44 . ( 3 ) ص / 23 . ( 4 ) البقرة / 261 .